10السنة -482ه - العدد 1426جمادي الأوليمن23 - م2006يونيو من19الإثنين
 
شمس لاتغيب

طاقة الخير

السفير الامريكي يتحدث عن مصروكأنها ولاية أمريكية
دية ممدوح اسماعيل.. هل تطفئ النار؟
وزير الزراعة يؤكد: مخالفة شركة آل نافع للقانون
مخطط حكومي لوقف الاشراف القضائي علي الانتخابات
محاكمة الرجل النزيه
الأمة تموت والعلماء مشغولون بفقه المراحيض!
 

مقالات
اسبوعيات
توضيح الواضحات (4)
د. محمد سليم العوا
(1)
أبدأ اليوم بالإجابة عن السؤال الذي ختم به صديقي العزيز تساؤلاته التي أوردتها في المقال الثالث من هذه السلسلة (الأسبوع 12/6/2006).
كان السؤال عن معني عنوان المقالات، وهل يتضمن إيحاء بغياب بعض المعاني، عن مجلس الصلاحية، وهي ما كان يجوز أن تغيب عن أعضائه من قدامي رجال القضاء؟ والمسألة علي عكس ذلك تماما، المسألة أنني استعرت شطر قاعدة يكثر من استعمالها علماء النحو والصرف حين يïسٍأîلون عن أمر بيٌن الوضوح في علومهم فيقولون للسائل 'توضيح الواضحات من اصعب المشكلات'. والمعني، الذي يعبرون عنه بألفاظ مختلفة، هو أن الشيخ الأستاذ يصعب عليه أن يقرب للطلاب المسائل التي تعتبر من بدهيات العلم ومسلماته، فيكون حين يïسألï عنها في موقف لا يحسد عليه!
وهكذا وجدت نفسي وأنا أعيد تقرير مسائل من قبيل حق المتهم في الاطلاع علي أوراق قضيته، وحقه في الاستعداد للدفاع عن نفسه، وحقه في الاستعانة بمن يطمئن إليه ليؤدي واجب الدفاع عنه، وحدود حق المحكمة أية محكمة عندما يïبدي أمامها دفع بعدم الدستورية، وأنها عندئذ لا يجوز لها أن تقرر ولو علي سبيل الاستطراد أو التزيد أن النص المدفوع بعدم دستوريته متفق مع الدستور، وإلا كان ذلك منها عدوانا علي سلطة مقرها القانون والدستور علي المحكمة الدستورية العليا 'دون غيرها'... إلي غير ذلك من المسائل التي لو قرأ الحكم شخص متوسط الثقافة القانونية لوقف عليها دون عناء. وإعادة البيان في مثل هذه المسائل البدهية أو تكاد أمر شديد الصعوبة، يعرف صعوبته من اضطر إليه أو أوقعته محن الليالي والأيام فيه. وهكذا كنت حين اخترت عنوان هذه المقالات. فليعذرني صديقي وليحسن الظن بي.
(2)
ثم أعود إلي سؤاله عن مدي أهمية صواب الحكم قضاء وقانونا أو خطئه، مادام يحقق هدفه السياسي والاجتماعي. والحال أن الأحكام القضائية لا تقوٌîمï بالنظر إلي آثارها السياسية والاجتماعية، وإنما تقوم بالنظر إلي اتفاقها مع القانون أو مخالفتها له وبالنظر إلي تحقيقها للعدالة أو تنكبها طريق تحقيقها. فكل نص قانوني والتعميم مرادï مقصود يحتمل وجوه قراءة عديدة والفرق بين قضاء وقضاء، وبين قاضي وقاضي، يتبين عند انعام النظر في وجه القراءة الذي يختاره من بين هذه الوجوه، وفي الترجيح بينها أو التوفيق بين مقتضياتها بحيث يكون الحكم القضائي في نهاية الأمر معبرا عن صحيح القانون، ولو بوجه من الوجوه التي يحتملها النص، ومحققا للعدالة بين الخصوم الذين يفصل في قضيتهم ومحققا إياها لهم.
أما أن يهدف الحكم ابتداء إلي تحقيق أهداف اجتماعية وسياسية فإنه يخرج بذلك عن أن يكون 'قضاء' بمعني الكلمة، ويتحول إلي شيء آخر يقتضي نظرا غير النظر القانوني الذي عنيت به في هذه السلسلة من المقالات.
وأنا آمل أن يتفق معي صديقي الذي أرهقني بأسئلته وغمرني بمودته في أن الهدف الاجتماعي والسياسي الذي عناه في كلامه معي كان يمكن أن يتحقق بأيسر الطرق وأكثرها أمنا لو أن الذين فضلوا العناد علي الاستجابة لأصوات العقل والرشاد اتخذوا القرار الصحيح ابتداء بعدم تصعيد الأمر ضد المستشارين الجليلين البسطويسي ومكي إلي حد الإحالة إلي المحاكمة، أو في وسط الطريق بأن قرروا سحب الدعوي التأديبية، أو طلبوا علي لسان النيابة التي تتبع حتي الآن وزير العدل تأجيلها إلي أجل غير مسمي. وقد صنعت الحكومة ذلك في قضية تمرد قوات الأمن المركزي فهل لم تبلغ كرامة قضاة النقض، نواب رئيس المحكمة، في نظر هذه الحكومة مبلغ كرامة جنود الأمن المركزي؟ مع الفارق، الذي لا يمكن حصر وجوهه، بين ما صنعه الجنود في تمردهم وبين ما صنعه القضاة في حرصهم علي سمعة زملائهم وكرامة السلطة التي يمثلونها وينتمون إليها. أو في نهاية الطريق بأن يدعوا ربهم ليوحي إلي المجلس أن يحكم بالبراءة للمستشارين معا، كما هي حقيقة الحال!
ولكن ذلك كله لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله!!
(3)
وأستميح صديقي عذرا أن لا أعرج علي أسئلته الأخري، وأن أتوقف عن بيان ما أراه جديرا بالبيان في شأن الحكم الصادر من مجلس التأديب، لأختم الحديث في هذا الشأن ببعض الطرائف التي أوقفتنا عليها قضية المستشارين الجليلين البسطويسي ومكي.
الطريفة الأولي، أن المجلس الذي حاكمهما سمي نفسه في صدر حكمه 'مجلس الصلاحية' ثم سمي نفسه في مواضع منه 'مجلس التأديب' (ص3،6،7،8،...9 وغيرها) وعاد إلي تسمية نفسه مجلس الصلاحية في مواضع أخري (ص7).
والحاصل أن قانون السلطة القضائية خصص فصله التاسع لمساءلة القضاة تأديبيا، ونص في مادته رقم (98) علي تشكيل مجلس تأديب القضاة بجميع درجاتهم علي نحو معين، ثم بعد أن أورد أحكام الدعوي التأديبية في ثلاث عشرة مادة انتقل إلي بيان أحكام عدم صلاحية القاضي لولاية القضاء فنظمها في المواد من (111) إلي (115)، وعهد بنظرها إلي المجلس المنصوص عليه في المادة (98). فإذا انعقد هذا المجلس لنظر اتهام بارتكاب جريمة فهو مجلس تأديب فحسب. وإذا انعقد للنظر في تقرير مدي صلاحية القاضي لولاية القضاء فهو مجلس صلاحية فحسب.
والذي يملكه مجلس التأديب هو توقيع عقوبة اللوم أو عقوبة العزل (م/108 من قانون السلطة القضائية).والذي يملكه مجلس الصلاحية هو تقرير الإحالة إلي المعاش أو النقل إلي وظيفة غير قضائية (م/111 من قانون السلطة القضائية) والمستشاران الجليلان البسطويس ومكي أحيلا إلي المجلس المذكور بتهم جنائية فما كان له أن يسمي نفسه مجلس الصلاحية، لا في عنوان حكمه ولا في مدوناته. ولا ريب أن خطأ المحكمة في وصف نفسها بالصفة التي ينعقد لها بها الاختصاص، وتثبت بها السلطات أمر يثير الدهشة، في الأقل، ولا أريد أن أذكر ما يثيره في الأكثر!!
الطريفة الثانية، أن المجلس الذي حكم ببراءة المستشار محمود مكي من التهمة المنسوبة إليه أورد في خاتمة حكمه أنه احتقر القانون واجترأ عليه، وأن هذا المسلك لو كان هو وحده المنسوب إليه لما استأهل الإحالة إلي المحاكمة التأديبية.
ولاينقضي العجب من أن القاضي الذي يحتقر القانون 'ويجترئ عليه' لا يستحق المساءلة ولا يستأهل المحاكمة. إن احتقار القانون والاجتراء عليه لو وقع من موظف او مواطن غير موظف لاستحق العقوبة بحسب نوع النص الذي احتقره واجترأ عليه، فكيف بالقاضي الذي هو معقد آمال الناس كافة في احترام القانون والنزول علي حكمه؟
إن هذه الفقرة من الحكم التي ختم بها أسبابه تحتاج ممن أصدروه إلي بيان خاص يقول للقضاة إنها لا تعني التصريح لهم باحتقار القانون والاجتراء عليه: وتقول للناس كافة إن مجلس تأديب القضاة لا يخالف الدستور الذي تنص مادته رقم (64) علي أن 'سيادة القانون أساس الحكم في الدولة'، وتنص مادته رقم (65) علي أن: 'تخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء وحصانته ضمانان أساسيان لحماية الحقوق والحريات': والذي انتهي إليه مجلس التأديب في شأن احتقار القانون والاجتراء عليه لا يتفق مع هذين النصين الدستوريين وما يوجبانه علي الكافة، والقضاة في الصدر منهم، من احترام القانون والنزول علي حكمه.
الطريفة الثالثة، لغوية، وهي لا تقتصر علي الحكم وحده وإنما تتعداه لتشمل مذكرة النيابة في الدعوي التأديبية، ومذكرة المستشار المنتدب للتحقيق الذي لم يتم مهمته وعهد بها إلي وزير العدل.
فالحاصل أن الحكم، ومذكرة النيابة، ومذكرة المستشار المذكور كلها قد استعملت كلمات لا وجود لها في المعاجم أو لا معني لها في اللغة أو لها معان غير المرادة قطعا! فالحكم ومذكرة النيابة يتحدثان عن 'تصلف' المستشارين المحالين إلي مجلس التأديب غوهي كلمة تعني التملق وتكلف الصلفف وهو قطعا معني لا ينسب إلي المستشارين الجليلين في كل وقائع قضيتهما. والمذكرة المعدة من النيابة تتحدث عن جريمة 'عاجلها' القانون بالعقوبة. وهو تعبير لا معني له. لأن المعاجلة بالعقوبة هي الإسراع بإنزالها بالمجرم لئلا يشعر بنشوة جريمته، ولكي يرتدع من يخشي أن يقلده فيها. وهي من التعبيرات النبوية 'لينتهين أقوام عن ... أو لأعاجلنهم بالعقوبة'. فالذي يعاجل بالعقوبة هو المختص بتوقيعها وليس النص القانوني المقرر لها. والحكم يستعمل تعبير 'قرين طلب الإحالة' والقرين في اللغة هو 'القارن' الذي يحدث في وقت واحد مع شيء آخر، أو هو الكفؤ في الشجاعة أو في كل صفة، وهي معاني لا محل لإرادتها في الحكم التأديبي أصلا (!).
والمستشار المنتدب للتحقيق يستخدم في عîجïز مذكرته المقدمة إلي وزير العدل تعبير: 'كان أمرا مقضيا ... دون أدني حولا غكذاف لاتخاذ ما ترونه' وليس في تصرف المحقق في أوراق تحقيقه ما يعتبر أمرا مقضيا. فالأمر المقضي هو الذي قضاه من لا ترد كلمته، وهو رب العالمين تبارك اسمه، وبهذا المعني وردت العبارة في سورة مريم (الآية 21) ووردت كلمة 'مقضيا' في السورة نفسها مسبقة بكلمة 'حتما' (الآية 71). ففي هذا التعبير خروج عن مقتضي اللغة. أما تعبير 'دون أدني حولا' فلم أفهم له معني، وسألت أهل اللغة فلم أجد عندهم فيه شيئا وراجعت المعاجم فلم تسعفني بما يغني من عوزي في فهمه!
الطريفة الرابعة، هي أن الحكم صوٌîر المشرع وهو يشكل مجلس تأديب القضاة علي أنه أراده 'بمثابة مجلس عائلي'، ورتب علي ذلك عدم انطباق قواعد الرد والصلاحية علي أعضائه إلا بإرادتهم وحدهم (!) وهذا فهم مبتكر لطبيعة مجالس التأديب، وللسلطات التي تعطي لأعضائها الحق في أن يقرروا بأنفسهم مدي صلاحيتهم ومدي قبولهم للرد من عدمه، لقد حكمت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص المادة (19) من قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية فيما كانت تقرره من أن تفصل هيئة التحكيم في طلب ردها أو طلب رد أحد أعضائها، فكيف غاب المبدأ الذي قررته المحكمة الدستورية العليا في هذا الشأن، وهو أن القاضي لا يجوز أن يقضي لنفسه أو عليها في طلب الرد، عن نظر مجلس التأديب؟!
ہہہہ
أقف عند هذا الحد في التعليق علي حكم مجلس التأديب، والله غالب علي أمره، والحمد له.
 

الصفحة الأولي | مقالات | الصالون السياسي | اشتباك | أخبار | بولوتيكا | بدون رتوش | المنطقة الحرة | الرياضة
الأعداد السابقة | منتدي الحوار | الاشتراكات | بحث | دفتر الزوار | اتصل بنا | حول الموقع

Web Services provided by Galileo Site Manager WebSite Development by Star Webmaster
جميع الحقوق © محفوظة لدار الأسبوع للصحافة والنشر والإعلام
و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من جريدة الأسبوع
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
info@elosboa.com